jeudi 21 août 2008

الطوارق.. عالم الثورات و"اللثام" والتجارب "النووية" الفرنسية


أعلن "العرب والطوارق" في منطقة أزواد شمال جمهورية مالي في 23 مايو 2006 تمردا مسلحا، هو الثالث منذ خروج آخر جندي فرنسي من بلادهم في 1961 بعد فشل سكان الصحراء في الحصول على استقلال لمنطقتهم التي اعتبرت من قبل الادارة الاستعمارية منطقة غير مؤهلة لميلاد دولة مدنية حديثة، بسبب "البداوة والأمية باللغة الفرنسية"، وطبيعة السكان المتمردة على الجمهورية الفرنسية.

وعلى اثر ذلك، قسمت فرنسا بلاد الطوارق بين 4 دول (الجزائر، النيجر، مالي، بوركينا فاسو)، غير أن قسما آخر من بلاد الطوارق (سلطنة أزجر) في الجنوب الليبي، كان تابعا في الأصل لليبيا، ولم يدرج من ضمن المخطط الفرنسي.
ويعتبر الطوارق في ليبيا والجزائر أنهم نجوا من إلحاقهم "بجسد غريب" عنهم أسوة بما حدث لإخوتهم في مالي والنيجر، وهو الإلحاق الذي أخرجهم من الخارطة المغاربية التي كانوا جزءا لا يتجزأ منها طوال القرون الماضية، ليؤول حالهم إلى النسيان من الذاكرة العربية ويطووا في صفحة الماضي.
وطبقا لتقرير للزميل عمر الأنصاري نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" الجمعة 14-7-2006 أدرك العرب والطوارق سريعا انقطاعهم عن جذورهم المغاربية والعربية فور رسم الحدود الجديدة، وإعلانهم سكانا لمنطقة جديدة لم يتعودوا سيادتها ولم يعتبروا أنفسهم جزءا منها.
وأعلنوا إثر ذلك أول ثورة مسلحة في منطقة كيدال (معقل طوارق مالي) في 1963 بعد فشل الجهود السياسية التي بذلها قادتهم للاستقلال بجمهوريتهم الصحراوية.
وهي الثورة التي واجهتها سلطات باماكو بقمع دموي، وباعتقال قادتها وايداعهم السجن، وقد تعاونت الدول المغاربية في قمع تلك الثورة، وقامت بتسليم قادتها الذين لجأوا إليها للسلطات المالية.

عودة للأعلى

القتل البطيء للطوارق

واستمر التهميش والقتل البطيء للعنصر العربي والطارقي في مالي والنيجر حتى 1991 الذي أعلن فيه الطوارق في الدولتين ثورتهم الثانية، احتجاجا على سياسية تهجيرهم لدول الجوار، وتهميش منطقتهم وعدم إدراجهم في البرامج التنموية في الدولتين. وكانت ثورة التسعينات الأكثر دموية، في تاريخ المنطقة.
وقتل الآلاف في مجازر تمبتكو 1991 و1994، وفي شتى مدن الشمال في مالي. ولم يكن الوضع في النيجر أقل سوءا بعد اعتقال السلطات لآلاف السكان والزج بهم في سجون جماعية. والغريب أن هذه المجازر نزلت بالطوارق على يد حكومات منتخبة تولت سدة الحكم، بعد عقود من سيطرة الحزب الواحد فيها.
وأسفرت اتفاقيات سلام هشة تمت في الجزائر (الأولى في تامنغست في 1991 ـ والثانية في 1992) عن وقف تلك الأحداث، وقامت مالي بإدماج عدد من المقاتلين الطوارق في جيشها وبمنح بعض قادتهم عددا من الامتيازات. لكن استمرار تجاهل الشمال في برامج التنمية ظل مستمرا.
ووجد قادة ثورة التسعينات أنفسهم في موقف حرج تجاه سكان المنطقة الذين اتهموهم ببيع ثورتهم مقابل وظائف حكومية. وهو ما حمل فصيل مسلح من الطوارق على الفرار من الجيش وإعلان ثورة جديدة هي الثالثة في 23 مايو الماضي، اسفرت مجددا عن اتفاق سلام وقع في الجزائر في 4 يوليو/تموز الحالي. تعهدت فيه الحكومة المالية بتسريع التنمية في مناطق الطوارق شمال البلاد. وبإعطاء اعتبار لخصوصية الشمال.
والمتابع لقضية الطوارق يلحظ شيئا واحدا، وهو الغياب الاعلامي الكبير، عن احوالهم ومطالبهم ومطالبهم ومأساتهم، بسبب توغلهم الدائم في الصحراء وعدم الالمام بقضيتهم من قبل الاعلام العربي، ولأنهم تابعون لدول غير عربية.
وهي معاناة يضاف إليها ما أصاب بلادهم من موجة جفاف طوال العقود الأربعة الماضية حولتها من صحراء نابضة بالحياة الطبيعية التي كفلت لهم العيش، إلى صحراء جرداء قاحلة لا ماء فيها ولا كلأ، وهو ما خلق موجة من الهجرات الجماعية التي حطت بهم في الجزائر وليبيا والمغرب، بل إلى بلدان أبعد كالمملكة العربية السعودية، التي حطت فيها بيوتات عربية لم تترك وراءها إلا فيافي وقفار انتهت أسباب الحياة فيها. وقد زادت تلك الهجرات العربية من غربتهم في دولهم، بسبب انكباب العرب والطوارق على التعليم العربي للحفاظ على هويتهم العربية والاسلامية.
وهو ما ليس متاحا لهم في مالي والنيجر الناطقتين بالفرنسية. والتي لا قيمة فيها لأصحاب الشهادات العربية. ويتذكر الطوارق بمرارة مآسيهم منذ الاحتلال الفرنسي، الذي لم يكتف بتمزيقهم، بل صنفهم أعداء للمدنية واللغة الفرنسية التي أعرض الطوارق عنها.
وبدت فرنسا مستعدة للانتقام من هؤلاء "المتمردين" على حضارتها ولغتها، بشتى الأساليب، بل ذهبت إلى الحد الذي جعلها تتخذ من صحرائهم منطقة للتجارب النووية. وقد نفذت فرنسا عام 1957 التجارب النووية الـ17 التي قامت بها في صحراء الطوارق بقنابل تبلغ قوتها مجموعة أكثر من 630 كيلوطنا.
وفي 1960 شاركت بعثة إسرائيلية في التفجيرات النووية الفرنسية في صحراء الطوارق. وقد اجتاحت الصحراء مذ ذاك أنواع من الأوبئة والأمراض، التي لم يعرف الكثير من الطوارق أسبابها حتى يومنا هذا.
وكغيرهم من البدو أصبحت تلك الأعوام تحمل في ذاكرتهم أسماء الأوبئة التي اجتاحتهم. إذ يعرف بينهم اليوم "عام الموت" و"عام السعال" وعام "الجدري"، وغيرها كثير.. من مسميات لأمراض كانت نتيجة للاشعاعات التي تعرضوا لها. وقد سجل عدد من الشهود أن إدارة الاستعمار، حرصت على تنفيذ كل هذه التجارب قرب المناطق المأهولة بالسكان الطوارق، لتسجيل مدى فاعلية "أعمالها".
هذا الموت الذي تعرض له الطوارق تلاه جفاف أتى على الماشية في حياتهم اليومية. ولم يشتغلوا بالزراعة يوما. وقد استنفرت عدة منظمات عالمية جهودها طوال تلك العقود للتخفيف من معاناة العرب والطوارق، لكن جهود معظمها باءت بالفشل بسبب استيلاء حكومتي مالي والنيجر على تلك المساعدات.
وهو ما جعل عدد من الدول تصرف النظر عن صرف اية مساعدات باسم الطوارق لتلك الدول. ولم يبق للطوارق والعرب في مالي أي وجود حقيقي بعد تحولهم لأشباح تهيم في الصحراء.
وقد زاد من مرارة الوضع اعتبارهم من قبل بعض السكان "السنغاي" في مالي والنيجر مجرد دخلاء عليهم العودة إلى مواطنهم الأصلية في منطقة المغرب. وقد أنشأت مجموعة عنصرية في مالي جبهة تسمي نفسها "غندغوي" (أهل الأرض) في التسعينات، ساهمت بشكل فعال في إبادة السكان من ذوي البشرة البيضاء وتهجيرهم، مطالبة بإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

عودة للأعلى

ثروات طبيعية

ولكن أشد أنواع التجاهل الذي لقيه الطوارق والعرب في مالي والنيجر، كان من قبل الدول المغاربية التي هي امتدادهم، إذ لم تحاول أي منها التدخل لإيجاد حل حقيقي لمشكلتهم، ومحاولة ايجاد الاستقرار لهم. وعدا الجزائر وليبيا، فإن أحدا لم يسع لحماية الطوارق والعرب من الموت والتشريد.
فقد اكتفت الجزائر بلعب دور وسيط سلام باستضافتها لمحادثات السلام الهشة التي تقام على أراضيها حين إعلان أية ثورة جديدة، بغية الحفاظ على استقرار مناطقها الجنوبية المأهولة بقبائل الطوارق.
فيما اكتفت جارتها ليبيا بفتح حدودها للفارين من المجاعة والإبادة والباحثين عن المدارس العربية. لكن قادة الطوارق بقدر ما يحملون عرفانا لهاتين الدولتين على وجه الخصوص، إلا أن مآخذهم بدأت تظهر عبر تصريحات يدلون بها بين الحين والآخر.
إذا يعتقدون أن بمقدور طرابلس والجزائر التدخل بشكل أكبر مع حكومت نيامي وباماكو، وإقناع الدولتين بإعطاء اعتبار أكبر للعرب والطوارق، وهي مطالب يلفها الكثير من الحذر في العاصمتين العربيتين خاصة بعد أن بدأت تصريحات سياسية من قبل قادة الثورة في اقليم أزواد شمال مالي تتحدث عن "حكم ذاتي" لمنطقتهم، والاعتراف بالتنوع.
وهي مطالب يخشى أن تشجع طوارق المنطقة على تمرد أكبر، قد يطالب الطوارق في نهايته في كل الصحراء بدولة صحراوية على غرار تلك التي كانت فرنسا قد وعدت بها. إلا أن الواقع المعاش ينفي هذه الفرضية لأناس يحاولون فقط حتى الآن ايجاد سبل العيش الكريم على أرضهم.
ومما يزيد من حنق الطوارق على بلدان المنطقة اليوم أن أكبر ثروات طبيعية تنعم بها المنطقة هي تلك التي تستخرج من صحرائهم، كالجنوب الجزائري المليء بحقول النفط، والنيجر حيث اليورانيوم، وشمال مالي حيث بدأت عدة شركات عالمية في التنقيب عن النفط والمعادن الثمينة. وقد أثبتت الدراسات الجيولوجية التي أجريت منذ عهد الاستعمار الفرنسي أن صحراء الطوارق ورمالهم تحتضن مناجم لشتى الثروات والخيرات الطبيعية الكفيلة بانتشالهم من حاجة الغير.
مطالب الطوارق والعرب الأساسية اليوم لا تتمثل فقط في إدخال التنمية لمناطقهم، وإنما تتجاوز ذلك إلى "اعتبار هويتهم"، وخصوصيتهم الثقافية، فمعظم أبناء الطوارق والعرب يتجهون للدول العربية لتلقي العلوم والمعارف، لترسيخ عروبتهم وتأكيد هويتهم المغاربية، لكن الواقع المعاش في بلادهم يرفض هذا التوجه، ولا يقر إلا بأنهم إذا ما أرادوا الاندماج "اصحاب هوية افريقية بلسان فرنسي" وهو ما لن يستوعبه سكان الصحراء الذين توارثوا عن آبائهم ملايين المخطوطات والمعارف الاسلامية العربية التي جعلت مدينتهم التاريخية "تمبتكو" تستحق لقب "عاصمة الثقافة الاسلامية" هذا العام.

 

blogger templates | Make Money Online